أحمد زكي صفوت
335
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
371 - كتاب الأحنف بن قيس إلى قومه وسار علىّ عليه السلام عن البصرة بعد أن أمّر عليها عبد اللّه بن عباس ، وولّى زياد بن أبيه الخراج وبيت المال « 1 » ، فلما قدم الكوفة ، وأراد المسير إلى الشأم ، قام إليه الأحنف بن قيس - وكان لم يشهد وقعة الجمل مع أحدّ الفريقين - فكان فيما قال : يا أمير المؤمنين إن يك بنو سعد لم ينصروك يوم الجمل ، فلن ينصروا عليك غيرك ، وإن عشيرتنا بالبصرة ، فلو بعثنا إليهم فقدموا علينا فقاتلنا بهم العدو ، وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس ، ولنا من قومنا عدد ، ولا نلقي بهم عدوّا أعدى من معاوية ، ولا نسدّ بهم ثغرا أشدّ من الشأم ، فقال له على : اكتب إلى قومك . فكتب الأحنف إلى بنى سعد : « أما بعد : فإنه لم يبق أحد من بنى تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم ، وعصمكم اللّه برأيي حتى نلتم ما رجوتم ، وأمنتم مما خفتم ، فأصبحتم منقطعين عن أهل البلاء ، لا حقين بأهل العافية . وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة ، فأخذوا علينا بفضلهم مرتين مسيرهم إلينا مع علىّ ، وتهيّئهم للمسير إلى الشأم ، ثم انحشرنا إليهم ، فصرنا كأنا لا نعرف إلا بهم ، فأقبلوا إلينا ولا تتّكلوا علينا ، فإن لهم أعدادنا من رؤسائهم ، فلا تبطئوا عنا ، فإن من تأخير العطاء حرمانا ، ومن تأخير النصر خذلانا ، فحرمان العطاء القلّة ،
--> ( 1 ) كان زياد ممن اعتزل ولم يشهد وقعة الجمل ، فلما ظفر على أخذ البيعة على أهل البصرة ، وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكر في المستأمنين مسلما بعد ما فرغ على من البيعة . فقال له على : وعمك المتربص المتقاعد بي ؟ فقال : واللّه يا أمير المؤمنين إنه لك لواد ، وإنه على مسرتك لحريص ، ولكنه بلغني أنه يشتكى ، فأعلم لك علمه ثم آتيك ، وكتم عليا مكانه حتى استأمره ، فأمره أن يعلمه فأعلمه ، فقال على : امش أمامى فاهدنى إليه ففعل ، فلما دخل عليه قال : تقاعدت عنى وتربصت ، ووضع يده على صدره وقال : هذا وجع بين ، فاعتذر إليه زياد ، فقبل عذره واستشاره ، وأراده علىّ على البصرة فقال : رجل من أهل بيتك يسكن إليه الناس ، فإنه أجدر أن يطمئنوا وينقادوا وسأكفيكه ، وأشير عليه ، فأمر على ابن عباس على البصرة وولى زيادا الخراج وبيت المال ، وأمر ابن عباس أن يسمع منه .